السلطة والمعرفة والجسد...

دومام اشتي

ربما لا نعرف كيفية استخدام مفهومي المعرفة والسلطة, وذلك قد يكون بسبب عدم معرفتنا لماهية المعرفة وماهية السلطة,

أو قد يكون بسبب عدم إلمامنا إلا لُماماً لواقع وعلاقات الملفوظات واختراق الموضوعات الخطابية الحقائق العينية وانسجامها مع واقع أراد له أن يكون وتحول الى مواقع الذوات, وقد يكون بسبب اختلاط القناعات بحيث لا ندرك أن المفاهيم كالنظريات وكالبيوت والأجساد عرضة للانتهاك في كل لحظة وعرضه للاختراق وحتى للاستباحة.

 

إن الالتباس والإرتباك يحدث داخل فضاء المعرفة والسلطة, ومن تشعب العلاقات وتداخل السياقات وتوزع الممارسات في عتبات المعرفة واستراتيجيات السلطة. لذا لم تعد الأهمية في تحديد المفاهيم لا نها مهمة سوسيو,ثقافية , إنما البحث هو في البنى والعلاقات والممارسات, في ما يقوله الناس ويقومون به, في ما يخضعون له ويوجهونه في ما يستبد بهم ويرغبون فيه فيما يشعرون به ويخشون منه, فيما يختبئون منه ويستحبوه.

إن أحد أكبر وأهم اهتمامات ميشيل فوكو هي السلطة ,وكيف صنعت من نفسها وجعلت من القانون التقليدي يقوم بحصر هذه السلطة على شاكلة المهيمن والمسيطر من الأعلى, سلطة اتية من فوق تكون حالة في الاجساد. وأشار إليها فوكو على أنها تمر في الأجساد والخطابات عاملة في الرغبات القيمة في المتع أي رآها جسداً يعمل في الأجساد.

ويعلق فوكو في مسألة السلطة والمعرفة,وكيف تم الانتقال بينهما قائلاً: السلطة هي التي تشير الى المعرفة ,وهي التي تؤسس هذه المعرفة وهي التي ترسم وتلون وتستشهد بالمعرفة التي تراها مناسبة بل هي من تحدد نوع المعارف حتى تستطيع أن تتسلط على المجتمع , فعندما تطور المجتمع البشري أصبحت السيطرة عليه أصعب , أي حدد من هيمنة السلطة على الأجساد فأرادت هذه السلطة المستبدة أن تبقى مهيمنة, وفي ظل صعوبة السيطرة على الجسد اكتشفت الناحية الأسرع والأسهل للسيطرة على المجتمع فانتقلت الى الأذهان.

القمع وصورة التبشير

يعرف فوكو القمع على أنه ليس مجرد منع بل هو إقصاء وإسكات وإعدام ما يجب قمعه بمجرد ظهوره وقطفه بمجرد نضوجه ,أنه يعمل وفق آلية ثلاثية من التحريم والتغييب والصمت حتى بإزاء الموضوع الذي يضربه القمع لا شيء يمكن قوله أو رؤيته أو معرفته

القمع هو ما يحرم الموضوع من ماديته ,والذات من قدراتها بل أنه ما يمنع المعرفة ,كعلاقة, إذا تجاوزنا مفاهيم الذات والموضوع ,حيث أنه لا ذات تعرف موضوعاتها بكيفية مسبقة أو تتوجه لموضوعات مثقلة بالمعنى هي التي تشكل الذات ,إذا الفرضية القمعية هي مما يتنافى ويتعارض مع المعرفة المتشكلة من تكوينات تاريخية ومن وضعيات ووقائع من طبقات رسوبية متكونة من كلمات وأشياء من الإبصار والقول مما يرى ومما يقٌال, فالمعرفة هنا باتت تتناسب عكساً والعنف المتشكل في المجتمع جراء القمع السلطوي في الأجساد والاذهان.

أن الحديث عن القمع يشرع الحديث عن الثورة والسعادة أو الثورة ووطناً أخر أكثر جدة وجمالا أو الحديث عن الثورة والمتعة ,فالكلام ضد السلطات ,قول الحقيقة والوعد بالمسرة , والربط بين اشراقة الوعي والانعتاق وبين الملذات المتنوعة , إقامة خطاب تترابط فيه صرامة المعرفة بإرادة تغيير القانون ,بحديقة المتع المشتهاة, هو ما يدفعنا الى الحديث عن التعاضد والتآزر بين ملفوظة القمع وصورة التبشير يحملها,, المثقف الشمولي,, الذي يتكلم باسم الإنسانية والحقيقة والمستقبل فهو صاحب الحق في شمولية المعرفة وهو الوكيل الشرعي للكلية والمراسل الكفء حيث يتقًوم التفلسف كفر شمولي .

المثقف الشمولي عند فوكو أتاً من سحنة تاريخية محددة هي وجه رجل القضاء والقانون أي الحقوقي الذي يواجه السلطة والاستبداد والتجاوزات وغطرسة الثروة بكلية العدالة وإنصاف القانون المثالي وقوة الحق والمشروعية

هذا الفضاء الأخلاقي _ القضائي , الذي يتحرك فيه المثقف الشمولي هو الذي يمنحه فرصة عدم التعامل المباشر مع السلطة وبذلك الفضاء يتمكن من الانسحاب والتمركز على هامش السلطة أو في موقع متعال ليحكم عليها.

إن المثقف الناطق بلسان المعرفة والوعي يكون خارج السلطة إنما ضمن المعرفة ومواعظه التي تشجب الظلم وتبشر بنظام جديد مستحبة الإلقاء للغاية وسهلة القبول وهو ما يسميه فوكو منفعة المتكلم حيث يتآزر قول الحقيقة والتبشير بالمتعة وهما اللتان تخشاهما السلطة وتقمعهما

لكن رغم وهم التحرر والتعالي ورغم امتلاك القول الفصل فإن المفكر ذاته في نفس الآن يُصبح موضوعاً للسلطة وأداتها والفكرة التي يحملها المفكرون الشموليون على أنهم موجهو الضمائر ومنتجو خطاب الحقيقة تنتمي هي ذاتها لنظام السلطة بدءاً من لقب الفيلسوف. بكون أن هذه السلطة لن تقف مكتوفة الأيدي جراء ما يُقدم عليه المثقف الشمولي, فمن جهة لا يجوز أن تكون الشمولية بمعنى ايجابي وهي راعية الشمولية المستبدة والمستبيحة للأجساد والأذهان, ومن جهة أخرى كيف لها أن تُشاهد ما يُقدم عليه المثقف من نشر للوعي على مستوى الحقوق والواجبات, وتقف مكتوفة الأيدي, لذا ستلجأ بكل قواها إما غلى خلق المثقف المطلوب, أو إلى خرق المثقف الموجود, ولو اتضرت إلى استعمال ما تتعفف عنه البشرية.

وفي الوقت الذي يبحث فيه المفكر الشمولي في ما يجب أن يكون ,تكون السلطة حينها بصدد وضع دواليب العقاب والقسر موضوع عمل. إذ في حين يبحث المشرعون والفلاسفة في الميثاق عن نموذج أولي لبناء أو إعادة بناء الجسم الاجتماعي ,حينها يكون العسكريون وهم اختصاصيو الضبط منهمكون في إنشاء وبلورة سبل قسر وإكراه الأجساد الفردية والجماعية ,من كل ذلك يستنتج فوكو(أننا في زمن يجب أن تعاد فيه صياغة وظيفة المثقف المختص لا أن تهجر رغم حنين البعض الى كبار المثقفين الكليين القائلين ,نحن بحاجة الى فلسفة, الى رؤية للعالم( على أمل أن ننعتق من هذا الشر.

أذن رفض فوكو للفرضية القمعية والتشكيك فيها هو في نفس ألان بحث في سلسلة النسب التي تحددها لبيان علاقة الحقيقة – السلطة كعلاقة تَكون داخلي مزدوج ومتأن لا كعلاقة خارجية انتقائية, ربما بكون إن هذا القمع آتي من الداخل وللداخل, وهو يقيم بذلك ثلاثة شكوك إزاء الفرضية القمعية تتبلور في ثلاثة أسئلة تاريخية ,وتاريخية نظرية ,وتاريخية سياسية ,أي التساؤل حول اليقين التاريخي لقمع الجنس منذ القرن السابع عشر والتساؤل حول أدلة السلطة هل أنها تعمل من خلال المنع والرفض والإقصاء والنبذ وأخيراً التساؤل حول الخطاب النقدي الذي يواجه السلطة القمعية ,هل هو خطاب يسد الطريق على آلية سلطة ترفض كل معارضة أم أنه يشكل جزءا من الشبكة التاريخية التي يواجهها بمنحها اسم القمع

أن الفرضية القمعية التي لا ترى في السلطة غير سلب مطلق لا يمكنها أن تتعاطَ مع الحقيقة ومع الحرية بما هما النقيض المباشر للعنف السلطوي ,لكن فوكو يبين في حوار مع فونتانا أن الحقيقة ليست خارج السلطة والمجردة من السلطة....الحقيقة من هذا العالم وتنتج فيه بفضل التزامات عدة وتحتفظ منه بشكل منتظم لأفاعيل سلطوية ,لكل مجتمع نظام حقيقة خاص به ,سياسته العامة, للحقيقة)) نفهم ب الحقيقة مجموعة من الإجراءات المنظمة لا نتاج وتشريع وتوزيع وترويج وعمل الملفوظات ,الحقيقة, مرتبطة دائرياً بأجهزة سلطة تنتجها وتحميها ,وبأفاعيل سلطة تستنتج منها وتواصلها هذا ما نسميه ,نظام الحقيقة, أذن ليست السلطة سلبية بإطلاق ,وليست الحقيقة إيجابية بإطلاق وليست العلاقة بينهما علاقة انتقاء وعداء ,وإذا كان من الوهم افتراض حقيقة خارج علائق السلطة فمن الوهم كذلك افتراض حقيقة لا سلطة لها((

يؤكد فوكو على أن الحقيقة ليست حرة بالطبيعة وأن الخطأ ليس عبداً بالطبيعة أيضاُ فإنتاج الحقيقة تخترقه علاقات السلطة والاعتراف مثال في ذلك

السلطة هي القدرة والقوة على الشيء وهي أحدى الوظائف الأساسية للتنظيم الاجتماعي, للناس مجتمع هو القوة الآمرة التي في حوزتها الإمكانية الفعلية لتسيير أنشطة الناس بتنسيق المصالح المتعارضة للأفراد أو الجماعات وبإلحاق تلك المصالح إرادة واحدة عن طريق الإقناع أو القسر , والسلطة هي القدرة على التأثير في الأشخاص ومجريات الإحداث باللجوء الى مجموعة من الوسائل تتراوح بين الإقناع والإكراه ,أذاً السلطة هي أمر وهي واقع اجتماعي .

من جهته يعتبر ماكس فيبر أن العنف هو الوسيلة الطبيعية للسلطة يبرره هاجس البحث عنده عما يجعل الاحتكار مشروعاً أو شرعياً ,ويصنف السلطات الى ثلاث نماذج هي

1 نموذج تقليدي يستند الى نفوذ الأمس الأزلي ويتمثل في سلطة الأعراف وقداسة الاعتقاد في السلف

2نموذج السلطة اللخارزماتية أو اللدنية, المبنية على الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص استثنائي بسبب قداسته أو ميزاته المثالية

3 نموذج السلطة القانونية المستمدة من الاعتراف بمعقولية التشريعات والقوانين

من صورة القانون الى لعبة الأجساد

إن ما يفتقر إليه الفكر والممارسة هو الممارسة ذاتها هو هذا الحس الخبري الذي كثيرا ما عبناه على البدائيين هو هذه الرابطة الحميمة بأشياء الوجود هو ضياع مادية المادة وغياب إحساسنا بمادية المكان وما يتوزع فيه في ظل ذلك لا تطرح مسالة السلطة إلا من خلال قانون أو دولة أو طبقة ولتدرك التعاقد أو هيمنة أو كاستلاب تاريخي لا نتريث في التنبؤ بزواله ,لكن؟ أيهما أكثر أهمية امتداح الدولة أو هجائها من ناحية , ومن ناحية أخرى الانكباب على متابعة الأحداث وأشكال الضبط والمراقبة والتقويم والإخضاع ,فالتحليل الذي يعتمد مفهوم السلطة لا ينبغي أن ينطلق من التسليم بسيادة الدولة أو صورة القانون أو الوحدة الشاملة لهيمنة معينة فهذه ليست بالحري إلا الأشكال التي تنتهي إلهيا السلطة بل على هذا التحليل أن يكون تشريحا سياسيا مجهريا لجسد السلطة يكتشف أنها تمارس على الأجساد ,تخترق الأجساد, تستثمر الأجساد, بل أن حربها تأخذ شكل التحام جسد بجسد .

انه التحام الماديات العارية التي لا تفصلها حواجز فتبدوا السلطة كعلاقة أكثر منها حدودا تقوم بينها علاقات, هكذا يجب أن نحاول دراسة السلطة ليس انطلاقا من حدود بدائية للعلاقة ,ذات حقوقية, دولة قانون وسيادة , بل انطلاقا من العلاقة ذاتها من حيث هي التي تحدد عناصر عملها

يشير فوكو إلى أن السلطة تأتي من أسفل وهذا يعني أن ليس هناك في أصل علاقات السلطة وكطابع عام تعارض ثنائي شامل بين المسيطرين ومن يقعون تحت السيطرة , بحيث ينعكس صدى هذا التعارض من أعلى الى أسفل ... ينبغي أن نفترض بالحري أن علاقات القوة المتعددة التي تتكون وتعمل في أجهزة الإنتاج والأسر والجماعات الضيقة والمؤسسات تكون حاملا للانقسامات التي تسدي في الاجتماعي بمجموعه

ولنؤكد من جديد , أذا كانت السلطة والحقيقة والأخلاق هي جزء من الاهتمامات الرئيسية في إدارة المعرفة فان هذه الأخيرة تكون قد وضعت يدها على ما تعانيه المجتمعات وما ينو به الإفراد

أن فوكو يوجه اهتمامه الى ممارسة نقدية لا تقدم حلولا ولاشك ولكنها تقدم صيغا للوجود وتفكر في ما هو أخلاقي وبذلك تتكون الإبعاد الأساسية الثلاثة للواقع الراهن

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

في هذا الخصوص أنظر: عبد العزيز العيادي , ميشيل فوكو,المعرفة والسلطة , مجد, 1994